محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْخاسِرِينَ يقول تعالى ذكره : فأهلك الذين كذبوا شعيبا فلم يؤمنوا به ، فأبادهم ، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاء كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يقول : كأن لم ينزلوا قط ، ولم يعيشوا بها حين هلكوا ، يقال : غني فلان بمكان كذا فهو يغنى به غنى وغنيا : إذا نزل به وكان به ، كما قال الشاعر : ولقد يغنى به جيرانك المس * تمسكو منك بعهد ووصال وقال رؤبة : وعهد مغنى دمنه بضلفعا إنما هو مفعل من غني . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا كأن لم يعيشوا ، كأن لم ينعموا . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يقول : كأن لم يعيشوا فيها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا كأن لم يكونوا فيها قط . وقوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ يقول تعالى ذكره : لم يكن الذين اتبعوا شعيبا الخاسرين ، بل الذين كذبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين ، لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه أن الذين كذبوا شعيبا قالوا للذين أرادوا اتباعه : " لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون " فكذبهم الله بما أحل بهم من عاجل نكاله ، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ما خسر تباع شعيب ، بل كان الذين كذبوا شعيبا لما جاءت عقوبة الله هم الخاسرين دون الذين صدقوا وآمنوا به . القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي يقول تعالى ذكره : فأدبر شعيب عنهم شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله ، وقال لما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذبوه حزنا عليهم : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وأديت إليكم ما بعثني به إليكم من تحذيركم غضبه على إقامتكم على الكفر به وظلم الناس أشياءهم . وَنَصَحْتُ لَكُمْ بأمري إياكم بطاعة الله ونهيكم عن معصيته . فَكَيْفَ آسى يقول : فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسله وأتوجع لهلاكهم ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فَكَيْفَ آسى يعنى : أحزن . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَكَيْفَ آسى يقول : فكيف أحزن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : أصاب شعيبا على قومه حزن لما يرى بهم من نقمة الله ، ثم قال يعزي نفسه فيما ذكر الله عنه : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم معرفه سنته في الأمم التي قد خلت من قبل أمته ، ومذكر من كفر به من قريش لينزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله والتكذيب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ قبلك ، إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وهو البؤس وشظف المعيشة وضيقها ؛ والضراء : وهي الضر وسوء الحال في أسباب دنياهم . لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ يقول : فعلنا ذلك ليتضرعوا إلى ربهم ، ويستكينوا إليه ، وينيبوا بالإقلاع عن كفرهم ، والتوبة من تكذيب أنبيائهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا